وأمّا بِنِعمةِ ربّك فحدّث

Photo by Daniel Frank on Pexels.com

عندما قلّ الأخِلّاء ونَضَبَ الوفاء وشحّت المروءة وانتحرت الرجولةُ بسقوطٍ حرّ من شوارب الذكور، لم أجد إلّا طيفها السعيد يأخذني إلى عالم النقاء والصفاء، عالم الثقةِ والوفاء، عالم الأنسِ والرجاء. كيف لا ويومي يبتهِجُ بلقياها، وليلي يسكُن بذكراها، وعيشي يطيبُ عندما تضعُ الطعام في فمِها أو تنطِقُ بلغةِ الإيجاز٠

أي بُنيّتي، لقد عافاني الله منذُ أن رأت عيناكِ النور ووضعتُ على جسدكِ الغض ملابس السترِ في ساعتكِ الأولى برمزيةٍ يعجزُ الأديبُ عن نسجِ صورة لها حتى في الخيال. هاقد انقضت ستٌ مباركة وكلّ يوم أشعرُ مُجدّداً بأنّني طلبتُ من ربي النجوم فأعطاني القمر. ياقمراً ظهر لي في حلكةِ الليل فآنسني في وحشتي وواساني في كُربتي وأنساني البؤس الذي ألقاه أحياناً في النهار٠

أيٌ شرفٍ هو ذاك الذي منحني إياه الخالقُ الوهّاب بأن أكون أباكِ من بين ملايينِ البشر، وأيّ حبّ هو ذاك الذي أظهره لي اللطيفُ الخبير بأن جعلني خادمك المُخلص في الحياة، وأيّ نعيمٍ هو ذاك الذي خصّني به الجوادُ الكريم بأن جعل يدي تُلازمُ يدك الحانية باستمرار في أزقّة المُدن والبلدات٠

في كُلّ البيوت تمرُّ السنون فما يزدادُ الأولادُ إلّا بعداً عن آبائهم، أمّا أنا وأنتِ فلا فرقَ أبداً يصنعه الزمن، باستثناء أنّني لن أجثو على ركبَتيّ بعد عدّة سنوات كما أفعلُ الآن عندما تَهرعين نحوي وترمين بكاملِ روحكِ وجسدكِ في بحرِ عشقٍ أبوي كتبه الله لكِ منذ الأزل. ستتغيّرُ أمورٌ صغيرةٌ أُخرى فقط. رُبّما سيتوجّبُ عليّ أن أتعلم كيف أربِطُ حِجاب الوقار على رأسكِ بعد بضعِ سنوات بعد أن تعلّمتُ بِفضلكِ كيفَ أمشّط شعركِ الطويل دونما أي ألمٍ يُذكَر. حتى شريكة حياتي القادمة أو شريكاتِ حياتي القادمات سأخبرهنّ عندما أمشّطُ شعرهُنّ أنّ الفضل في ذلك الآداء الرومانسي يعود لكِ يا معلّمتي وأنّ رضاي عليهن سيكون بمقدارِ حُبّهنّ لكِ. وهناك فرقٌ آخر أيضاً: بعد عقدين سيكونُ الزمنُ الغادِرُ قد أضعفَ جسدي قليلاً إن كتب الله لي المزيد من الحياة ولن يكون بمقدوركِ أن تتسلقي على جسدي وتجلسي بشموخٍ على كَتفي كما تفعلينَ الآن. لقد بدأتُ الأخذ بالأسباب ووضعتُ خِطة تمرين قاسية حتى أدرّب نفسي على حملِ فتاة عمرها عشرون عاما على كتفيّ. أملي أن يكون هناك في ذلك الوقت رجلٌّ شابٌّ طيبٌ مِثلكِ قد تشرّف بالنسب لكِ ووضعكِ تاجاً على رأسه. لن أُفكّر كثيراً في المُستقبل، ولكنّي سأتابِعُ حملكِ على كتفي طالما أستطيع. فإن أنا مِتُّ، فلا أشكُّ لوهلةٍ بأنّ الله سيتولّاك بأرحمِ الأقدار٠

ثمّة شيءٌ آخر سيتغيرُ مع الزمن، وهو أنّ من أطال الحبل الذي بيني وبينك سيطولُ عناؤه، ومن وضع الجليد على الطريق بيني وبينك سيتزحلقُ كثيراً ولن يصلَ إلى مُبتغاه أبداً، فقد دعوتُ الله في جُنحِ الظلام مِراراً أن يُخيّب كل من أخّرني حتى دقيقة واحدة على موعدٍ بيني وبينك٠

في كلِّ ما قيلَ من شعرٍ، يعاهِد الحبيبُ حبيبَه على الوفاء، أمّا أنا وأنتِ فالحُبُّ بيننا يُطعَن بالعهد والوعد، لأنّ الوعدَ لا يكونُ إلا إذا كان هُناك شكٌّ، أمّا الحبّ الذي بيننا فإنّه يعرجُ ويسمو كلّ يوم بالعلوّ الذي يُحلقُ فيه جناحاك٠

بقلمِ من حلّقتِ بروحه عالياً

2 thoughts on “وأمّا بِنِعمةِ ربّك فحدّث”

  1. She is so lucky to have a father like you. This is a very amazing article written with the loveliest words one can ever read.

    أقبلت ابنةُ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهي جارية صغيرة، فضمها إلى نحره ثم قبّلها وقال: يا مرحبا، يا ستر عبد الله من النار.

    اسأل الله أن يرزقكَ وأهلك ومن تحب جنات النعيم وأن يحفظك بحفظه

    Liked by 1 person

Leave a reply to drzakariyaabsi Cancel reply