طابورٌ آخر

تَسلّحت بكُلِّ رباطة الجأش التي علّمتها إيّاها الحياة. كانت قد منعتها عِفّتُها التي رضعتها مع حليبِ أمّها من أن تُزاحِم الحشد المهول من الرجال والنساء في سبيلِ أيّةِ غايةٍ مهما عظُمت. لم تنكسر لأحدٍ في طابور الخبزِ الطويل بطولِ ليلةٍ كان ابنُها الرضيع فيها مريضاً، ولم تنكسِر أمام أحدٍ في أي طابورٍ يتزاحمُ عليهِ بنو البشر بفطرتِهم التي فطرهَم ربُّهم عليها. ولكن وراء رباطةِ الجأش تلك اهتزّت الضّلوع وخشعَ الفؤاد إيماناً وتسليماً بأنّ الأقدار كلَّها بيدِ خبيرٍ حكيم٠ 

في هذه المرّةِ فقط، ولأولّ مرة في الحياة، عندما سمعت بأنّ حافلةً تقلُّ مسافرين قد عادوا من السّفر، ركضت إلى خزانتها إلى حيثُ تحتفظُ بكلّ البطاقات الذكيّة والغبيّة التي أصبحت كالكنز الذي يُدفنُ حرصاً في التراب، وانتشلت من بينِ الأوراق الصفراء صورةً قديمةً بِقدمِ سنوات الغياب، مهيبةً بهيبةَ الغايةِ التي سافرَ لأجلها، وغاليةً بمقدارِ الشوق لذلك الرضيع الذي كانت تبكي عليه يوماً٠ 

ركضت دون وعيٍ ووضعت حجابها على رأسها وهي تنزل على الدرج دون أن تعبأَ للونهِ وشكلِه وطريقةِ ربطهِ، مُسرِعةً إلى هُناك، إلى محطّة الحافلة القريبة. اخترقت كل الجموع وهي تُحدّقُ بعينينِ مغرورقتين بالدموع بكلِّ وجهٍ تبدو عليه علامات السفر لعلّه يكونُ مُطابقاً في الحد الأدنى للصورةِ الباهتة التي في يدها، ولسانُ حالها يقول: هل أنتَ هو، وهل هو أنت؟ هل أنتَ صديقُه الذي لم يخبرني عنك؟ هل تقاسمتَ معهُ الغُرفةَ أو الخُبز أو الشاي؟ هل تقاسمتَ معهُ نظرةً عابرة في أحد الساحات أو في أحد المناسبات؟ هل سمعت صوتاً يناسب تلك الصورة التي تراها وتعتقد أنه هو؟ هل من الممكن أن يكون قد رآكَ هو وأنتَ لم تره؟ هل من الممكن أنه كان قريباً منك وحال بينكما جدارٌ سميك؟ هل وهل وهل، وكثيرٌ من الأسئلة الافتراضية التي ربّما ستقضي أجلها وهي تبحثُ عن جوابٍ لأحدها٠ 

لا تفقدي الأمل يا أمّاه، إن لم تلقَيه في دُنيا فانية، فَسَلي الله أن يكون اللقاء في جنّة عالية٠ 

6 thoughts on “طابورٌ آخر”

  1. توصيف دقيق للمشهد الذي تعيشه أمهات المعتقلين و في أيام العيد بالتحديد حيث يتصاعد و يهبط عدّاد الأمل مراراً وتكراراً و الوجه المبتسم في الصور التي في أيديهن يتحول لخيالاتٍ متحركة تجوب معهن زوايا البيت و غرفة الضيوف و تختلط بأحاديث و تمتمات ضيوف العيد و ضحكات الأطفال

    Liked by 1 person

  2. أتمعن في كل صورة لساعات باحثاً عن أدنى علامة تتشابه مع ما بقي في ذاكرتي من ملامح.. الأنف لا يشبهه لكن قد يكون تغير من كثرة الضرب عليه… “كان أنصح” لكن قد يكون الجوع أكل لحمه وأبقى جلده، لم تكن عيناه هكذا، ربما تغيرتا من كثرة الدموع…

    لافُض فوك!

    Liked by 1 person

Leave a reply to Nour Cancel reply