
جلستُ على الأريكة ورأسي مُثقلٌ بالزّكام، وبطني مُتخمٌ بِلَواحِقِ الإفطار في رَمَضان، وَدمي مُشبَعٌ بالكافيين بعد احتساء كلّ أنواع القهوة والشاي بعد صلاةِ التراويح. كانَ كلُّ شيءٍ ثقيلاً جداً، باستثناء قلبي الذي كان يُرفرِفُ مُسرِعاً مِن قِلّة النّوم كلّما انحنيتُ إلى الأمام لألتقِطَ قطعةً من المِشمِشِ المُجفّف٠ ذكَرتُ شيئاً عن تِلك الرفرفة وكيف أنّ قِلّة النوم هي سببُ كُلِّ العِلَل، وَسُرعان ما تذكّرتُ كُلّ من سبّبَ لي أرقاً في الحياة، وبطبيعةِ الحال تذّكرتُ تجرُبتي ذاتِ العشرِ العِجاف التي كانت تُشبِه حال جاموسٍ يحاوِلُ أن يقنِعَ جاموساً آخر بأنّ مايطفو على الجزء الضحل من مستنقع الماء المُتعكّر هو تِمساحٌ ينتظِرُ مُغفّلاً حتى يطحنَه بينَ فكّيه القبيحين، ولَيسَ جِذعاً لشجرةٍ ميّتة٠
في غَمرةِ تِلك الصورة وذلكَ الوزنِ الثقيل، رَميتُ بسؤالٍ لعلّه يكسِرُ الصمت ويخفّف من “لقمَصةِ” لساني بقطعة المشمِش: سُبحان الله، لِمَاذا يبتلي الله الطّيبين في الحياة؟! نظَرَت إلَيّ وكأنّ السؤال ذكّرها بِكلِّ الطيّبين الذين كانوا يوماً حولها وقالت وهي تبتسِم: رُبّما لحكمةٍ منه، فهو يشاءُ أن يبتلي الطيّبين بالتُّعساء حتّى يخلُقَ توازناً في الحياة. أومأتُ بِرأسي لأتّفِقَ معها وقاطعتُها قائلاً: أو لربّما يُحِبّ الله أن يختارهم بجانبِه وهم أنقياء من كَثرةِ المُعاناة٠
سادَ صمتٌ لثوانٍ معدودةٍ فقط، ولكنّهُ كان كافياً لِدرَجة أنّ ذلكَ الحاسِب المُذهِل الذي يُسمّى عقلاً استطاعَ أن يطوفَ ويتذكّرَ كلّ من “تخَوزقَ” مِن معارفي في الحياة. أحببتُ أن أقطع ذلِك الصمت الذي بدا طويلاً بطولِ عقدين من الزمن، وذكرتُ مثلاً شعبيّاً ريفيّاً كانت تقولُه إحداهنّ مُنذُ خمسٍ وعِشرين سنَة لِتواسي نفسها بسببِ تأخّرِ ظهورِ سعيد الحظ والزواجِ بها: “حظّ الكيسة في قفا الوحيشة!” بادلتني هي بمثَلٍ شعبيٍّ آخر لم أستطِع أن أتذكّره ولكن كان كافياً لقطعِ الصّمتِ والضحِكِ قليلاً٠
حاولتُ أن أنهي الحديثَ بِشكلٍ مؤدب لأبدأ بما أتيتُ لأجله، وقلت: الحمد لله، تعلّمنا الدرسَ من الحياة، فلا أحدَ يعيشُ الحياة الدنيا مرّتين. نظرتْ إليّ بِنظرةِ الأختِ الكبيرة وقالت: ولكن مِنَ الجيّد أنّك تعلّمتَ باكِراً! حاولتُ أن أستجمِعَ قوّة العبارة التي نطقت بِها، وشرِبتُ شربة ماءٍ وكأنّي أحاول استيعاب قيمَتِها وأدفعُها لتستقِرّ بداخلي. طنّ جوالي إيذاناً بانتهاءِ الحديث٠
زكريّا عبسي



