الهنغرةُ في هنغاريا أحلى 

خرجتّ ليلاً من مطار ستانستيد ورأسي يحنُّ إلى تلك الوسادةَ التي تركتُها مُجبَراً لأكون على موعدٍ مع امراةٍ في الأربعين من عمرِها في المطار طابَ لها تغريمي بمبلغٍ من المال لأن حقيبة الكتف التي في حوزتي كانت تُشبه كرشَ زوجها المحلولِ على مايبدو. لقد عكّرت صفوَ مِزاجي لساعةٍ كاملة إلى أن ركِبتُ الطائرة وأقنعتني هيبةُ الإقلاع قرب الجناح أنّ مال الدنيا يبقى فيها كما أنا أرحلُ من أرض المطار. دعوتُ عليها قليلاً واستدركتُ دعاء السفر قبل أن أسمع هدير المحرّك٠

وصلتُ إلى هنغاريا، وماأحلى الوصول! ختمت لي الضابِطة وكدتُ أرتعِدُ من ‘طجّة’ الخِتم الأُنثوي المُسيطر، فكانت إشارةً لا شكّ فيها بأن السيطرة هنا في يدِ أهلها٠ 

استقليتُ الباص ومن ثمّ الميترو ومن ثمّ باصاً آخر. وفي كلّ محطّة كنتُ أتقصدُ عابرةَ سبيل بسؤالٍ عن الاتجاه حتى أعيش الشعور ذاته الذي شعرتُ به من الطجّة. ماأجمل الانطباع الذي يأخذهُ صاحبه ويتاكدّ كل بضع دقائق من صحّته٠٠٠ 

وصلتُ إلى بيتِ جدّة وجدّ طالبتي الشغوفة باللغة العربية في بريطانيا، والتي أحبّت أن توفيني الجميل بجعل رحلتي في بلاد المجر على أكفّ الراحة. تحدثتُ مع العائلة كثيراً وتحدثوا معي كثيراً، بالرغمِ من أني لا أعرف كلمة واحدة في الهنغارية ولم يعرفوا هم كلمةً واحدة إلا كلمة ‘شكرا’ بالإنكليزية. أدركتُ حينها قيمة الترجمة الفورية التي أكاد أقوم بها يومياً في شرق إنكلترا، ولكن كان للسيد غوغل نصيبه من الشكر على ما قام به من جميل بيني وبين العائلة. رفضت العائلة التي أحبّت وجودي أن تسمحَ لي بحجز غرفةٍ في فندق، ودعوتهم بدوري إلى عشاء في مطعمهم المفضّل في بودابيست. ياإلهي، وياله من مطعم! كنت فيه السيّد النبيل الذي لفتَ جميع الآذان إلى لكنته الانكليزية وملامحهِ الشرقيّة المتناغمة بغرابة فريدة كانت على مايبدو مُحبّبة لدى الجميع هناك. فقط في حينها تمنيتُ أن تنقرِض جميعُ البريطانيّات في بريطانيا. ما أتعسهنّ٠٠٠٠

خرجتُ بعدها في جولةٍ تحتَ المطر الذي أصرت العائلة أنني أحضرته معي من بريطانيا وأنه فألُ خير. لا أحبّ الصور ولكنّ جمال المدينة الأخّاذ جعلني ألتقطُ الصور بكل عفوية. أحلى مارأيت هو ذاك التباين بين ضفتي نهر الدانوب، فضفّة فيها الفخامة والحداثة، وضفّة فيها القلاع والتاريخ، هناك حيثُ رسَتْ سفنُ العثمانيين٠ 

كدتُ على وشك أن أفتح اللابتوب وأقوم بتصحيح بعض الواجبات الجامعية، ولكن وبكل صدق لم أستطع التركيز، أغلقتُ اللابتوب وشرعتُ أكتب هذه المذكرة الحية. بالفعل لايستطيعُ الفرد هنا إلا أن يهنغر، فكيف إذا كان في المطار وكل كعبٍ عالٍ يطجُّ على الأرضِ طجّا٠٠٠٠٠٠ 

2 thoughts on “الهنغرةُ في هنغاريا أحلى ”

Leave a comment