مَلَكٌ بصورةِ بَشَر… قالوا ابنتُكَ على الطَّيف

أيُّ تكرُمةٍ هي تلك التي خصّني بها ربُّ الأرضِ والسّماء وأيُّ ليلةٍ هي تِلك التي لامست فيها أجنحة الروح نسماتِ القَدَر وأيُّ فَجرٍ هو ذاكَ الذي صدحَ باسمِها في آذان العصافير وبتلاتِ الأزهار حتّى يكون من نصيبِ عينيَّ أن يرمقا مُحيّاها الجميل مع إشراقةِ كل شمس ويسبحا في غياهبِ بحرٍ هادئٍ لطيف تحملُ أمواجُه المُتلاشية كُلَّ ذِكرى لم يحضرها طيفُها إلى عالم النِّسيان! أيُّ طلٍّ مباركٍ هو ذاك الذي دغدغ أهدابَ جفوني بلؤلؤٍ تناثرت حباتُهُ على وجنتيَّ الباردتين عندما حطّت أناملُها الغضّة على كلِّ ماتعثّر به وجهي من آهاتِ الحياة فإذا بكلِّ شيءٍ يتلألأ كالياقوت ويرتدي ألوان طائرِ الوروار لدرجةِ أنّي أخالُ نفسي أحدَ أفرادِ سربٍ مُهاجر طال بهِ السفر فوجدَ وطناً جديداً لم يرَه من قبل قطّ. أيُّ واحةٍ غنّاء هي تلك التي انتشت مياهها طرباً وتراقصت أوراقُها وجداً على أجراسٍ تدلّت من أعناقِ حِملانٍ أسعفها الظلُّ بعد تيهٍ في رمضاء مترامية الأطراف عندما لهجَ لسانُها بكلماتٍ مُبهمةٍ لكلٍ من عقِلَ الكلام فخِلتها لغةً من عالمٍ آخر كلهُ وضوح وبراءة ولا مكان فيه للإيحاءات والتشبيهات والاستعارات المُضلِّلة التي تحملُ وجوهاً بعدد السامعين وعدد القارئين. 
سمَّوه طيفاً في قواميس طبّهم الخرقاء وعجزوا عن تحديد ألوانه أو حتى رسمِ صورةٍ خياليّةٍ لها ولكنّهم أمعنوا في سردِ أوهامٍ سطحيّة عن هذا الطيف حتى يبرّروا قدرة أصحابه على التحليق في عالمٍ أنقى وأبسط من عالمنا. أيُّ طيفٍ هذا الذي عانقَها وعانقته حتى أعطاها من الحبِّ والجمال زيادة ومن الطُّهرِ والبراءةِ ماهو فوق العادة؟! أيُّ طيفٍ هذا الذي نزعَ منها عُقَدَ الأصِحّاء و خُذلان الأقرباء وانتهازيّة الأخلّاء؟! أيُّ طيفٍ طارَ بها في عالمٍ كلُّه ضحكٌ وَلعِبٌ وَ عُمقٌ في التفكير وَإبحارٌ في الخيال؟! آهٍ كم أنّني أحلُم بأن أُعلِّقَ كل حبالي المهترِئة بريشةٍ في أحد جناحيها وأذهبَ معها بعيداً إلى حيثُ تذهب هي في كلَّ يوم! آهٍ لو أنّها تحكي لي عن إحدى مغامراتها وهي تسبحُ في فضاءِ خيالها السعيد لعلّي أتعلّمُ منها كيف أكون سعيداً عندما يكون الجميعُ عبوساً! آهٍ لو أنّها تستطيعُ أن تخاطبنا بلغتنا حمّالة الأوجه وتسخر من سوء ظنوننا وتمادينا الصارخ في تفسير المُفسّر والقراءةِ الخبيثةِ بين السطور! 
في كلِّ مرّةٍ ترنو إليَّ بناظريها أو تسحبُ ذراعي بأحدِ جناحيها أو تعبِّرُ لي بلغتها الموجزة، يخطرُ في هاجسي خاطرٌ واحد— أتُراها ظنّت أني اطلعتُ على أحدِ رحلات خيالها وأدركتُ شيئاً من عالمها فوثقتْ بي دون غيري؟! أتُراها شَعرَتْ بأنّني بدأتُ أحِبُّ عالمها أكثر من عالمِنا دون أن أراه وأنّه بإمكانها الاعتمادُ علي في فتح النافذة لها إلى عالمنا المُربِكِ مُجدّداً عند الرجوع من التحليق؟! أيّاً كان السببُ، ولكنّ ناظريها يعانقان ناظريَّ وهذا يكفي، وأخرجُ من بؤسي بلمسِ جناحيها وهذا يكفي، وتثِق بترجمتي المُتعثِّرة لعباراتِها وهذا يكفي…. 
بِقلَمِ أبيها الذي لا يُجيدُ التحليق فوق السطور

Leave a comment